ابن عجيبة

57

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ الصادر عنهم إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ الرسول صلى اللّه عليه وسلم بَيْنَهُمْ وبين خصومهم ، سواء كانوا منهم أو من غيرهم ، أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا قوله ، وَأَطَعْنا أمره ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ؛ الفائزون بكل مطلب ، الناجون من كل مهرب . والإشارة إلى المؤمنين باعتبار صدور القول المذكور عنهم ، وما فيه من البعد ، للإشعار بعلو رتبتهم ، وبعد منزلتهم في الفضل ، أي : أولئك المنعوتون بتلك النعوت الجميلة هم الفائزون بكل مطلوب . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، هذا استئناف جئ به لتقرير ما قبله من حسن حال المؤمنين ، وترغيب من عداهم في الانتظام في سلكهم ، أي : ومن يطع اللّه ورسوله ، كائنا من كان ، فيما أمرا به من الأحكام الشرعية اللازمة والمتعدية ، وقيل : من يطع اللّه في فرائضه ، ورسوله في سننه . وَيَخْشَ اللَّهَ على ما مضى من ذنوبه ، وَيَتَّقْهِ فيما يستقبل من عمره ، فَأُولئِكَ الموصوفون بما ذك ؛ ر من الطاعة والخشية ، والاتقاء ، هُمُ الْفائِزُونَ بالنعيم المقيم ، لا من عداهم . وعن بعض الملوك : أنه سأل عن آية كافية ، فتليت عليه هذه الآية . وهي جامعة لأسباب الفوز . قال القرطبي : ذكر أسلم : أن عمر بينما هو قائم في مسجده صلى اللّه عليه وسلم فإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه ، وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، فقال له عمر : ما شأنك ؟ قال : أسلمت ، قال : ألهذا سبب ؟ قال : نعم ؛ إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل ، وكثيرا من كتب الأنبياء ، فسمعت أسيرا يقرأ آية من القرآن ، جمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة ، فعلمت أنه من عند اللّه ، فأسلمت . قال : ما هذه الآية ؟ قال قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في الفرائض ، وَرَسُولَهُ في السنن ، وَيَخْشَ اللَّهَ فيما مضى من عمره ، وَيَتَّقْهِ فيما بقي ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ؛ والفائز : من نجا من النار وأدخل الجنة ، فقال عمر : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت جوامع الكلم « 1 » » . ه « 2 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إنما كان قول المؤمنين الكاملين ، الطالبين الوصول إلى حضرة رب العالمين ، إذا دعوا إلى حضرة اللّه ورسوله ؛ ليحكم بينهم وبين نفوسهم التي حجبتهم حتى يغيبوا عنها ، أن يقولوا : سمعنا وأطعنا ، ويدخلوا تحت تربية المشايخ ، فإذا أمروهم أو نهوهم ، قالوا : سمعنا وأطعنا ، وأولئك هم المفلحون الفائزون بالوصول إلى اللّه تعالى . ومن يطع اللّه في أمره ونهيه ، ورسوله في سنّته ، وما رغّب فيه ، ويخش اللّه أن يعاتبه ، أو يؤدبه ، ويتقه ، أي : يجعل

--> ( 1 ) بعض حديث ، أخرجه البخاري في ( التعبير ، باب رؤيا الليل ، ح 6998 ) ومسلم في ( المساجد ، 1 / 371 ، ح 523 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . ولفظ البخاري : « أعطيت مفاتيح الكلم » . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي ( 5 / 4819 ) .